الشيخ حسن المصطفوي
258
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
فهمه وإدراكه وعلى سعة معرفته ونورانيّته ، عالما كان أو عارفا أو جاهلا أو محجوبا ، فمن كان محجوبا بالكليّة عن نوره وكافرا بالحقّ : فلا يتعقّل الَّا ما يشاهد ويرى ، ولا يصل فكره ونظره الَّا إلى ما يتراءى من العظمة والإحاطة والنظم العجيب والقدمة والثبوت للدهر ، غفلة عمّا فوقه وكافرا به . ثمّ إنّ الطبيعة المطلقة تعبير آخر عن الدهر : والفرق بينهما أنّ الدهر هو الزمان الممتدّ مع ما فيها من التكوينيّات ، والطبيعة هي التكوينيّات الموجودة المنظَّمة في الزمان الممتدّ ، فالنظر الأوّل في الطبيعة إلى التكوينيّات . وبهذا اللحاظ يطلق على الدهريّة : عنوان الطبيعيّة أيضا . ونحن نستدلّ عليهم : بالنظم وما يتراءى من التغيّر والاختلاف والتلوّن المتناسب المنتظم في الطبيعة ، فهي تدلّ دلالة قطعيّة على خالق عالم قادر مريد حىّ . فظهر أنّ تفسير الدهر بالزمان والأبد ونظائرهما : تفسير ناقص . وأمّا مفهوم القهر والغلبة : فالظاهر أن يكون الاشتقاق انتزاعيّا وهذا المفهوم هو المتفاهم من حكومة الدهر وسلطانه واحاطته . * ( هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) * - 76 / 1 - أي مقدار معيّن محدود من مطلق الدهر الممتدّ المحيط الأبدىّ . فهذا القيد يدلّ على امتداد الدهر وكونه غير معيّن ، والاستفهام للتقرير . * ( وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا ) * ( - 45 / 24 - ) . * ( وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ) * - فهم لا يتجاوز ادراكهم عن الحياة الدنيا المادّيّة النازلة القريبة المحسوسة ، وانّهم لغافلون عن الحياة الآخرة ، وينسبون التأثير في هذه الحياة إلى الدهر ، غافلا عمّا فوقه وعمّن وراءه من العزيز الحكيم .